يشهد لبنان منذ أكثر من عقد ونصف واحدة من أزماته البيئية الأشد حدّة: أزمة النفايات. فقد شكّلت النفايات على مرّ السنوات مشكلة أساسية في لبنان على مختلف الأصعدة البيئية والسياسية والاجتماعية، حيث تكمن المعضلة في كيفية تصريف هذا الكمّ الهائل من النفايات في ظلّ غياب الحلول المستدامة. وقد تمّ اعتماد حلول قصيرة الأمد لا تُجدي إلا لفترات محدودة، قبل أن تعود الأزمة لتظهر من جديد، فيعاد البحث عن بدائل مؤقتة بلا أفق، ليستمرّ البلد في الدوران داخل هذه الدوّامة البيئية حتى يومنا هذا.
ومن بين تلك الحلول ظهرت المطامر العشوائية داخل بيروت، وعلى طريق المطار، وفي الشمال والجنوب والبقاع. وقد انتشرت هذه المطامر على مختلف الأراضي اللبنانية، لتشكّل مصدرًا مباشرًا للأمراض المزمنة والمخاطر الصحيّة، وتترك أثرًا سلبيًا كبيرًا على المياه الجوفية والتربة والمسطحات المائية والتنوّع الحيوي والبيئي. أمّا من الناحية الاجتماعية، فقد شكّلت المطامر مصدر قلق دائم للبنانيين، إذ تُغلق أحيانًا من دون سابق إنذار، ما يثير هواجس تكوّم النفايات أمام المنازل وفي الشوارع. وكانت أزمة عام 2015 إحدى أبرز وأشدّ هذه الأزمات في تاريخ لبنان الحديث.
بحسب دراسة قامت بها وزارة البيئة بالتعاون مع البنك الدولي أنتج لبنان أكثر من مليوني طن من النفايات في عام 2018 وانخفضت هذه الكمية بنسبة 25 % في عام 2022. معظم هذه النفايات تُطمر بطريقة عشوائية في المطامر المنتشرة على كافة الأراضي اللبنانية.
ومن هنا، برزت مبادرات فردية على مستوى البلديات للبحث عن حلول مستدامة، كان أبرزها إنشاء معامل فرز داخل بعض البلديات. وقد رسمت الاتحادات في عدد من المناطق خارطة طريق واضحة لتجنّب الوقوع في أزمات النفايات المتكرّرة.
وكان لاتحاد بلديات الشوف الأعلى واتحاد بلديات الشوف السويجاني في منطقة الشوف – جبل لبنان دور محوري في هذه الخطة، حيث أُنشئ معملان لفرز ومعالجة نفايات البلديات التابعة لهما.
ففي شوف السويجاني، أُنشئ المعمل بالتعاون مع الاتحاد الأوروبي عام 2015، واستقبل نفايات تسع بلديات ضمن الاتحاد، وهي: بعقلين، مزرعة الشوف، كحلونية، عين وزين، جديدة الشوف، والسمقانية، وغيرها. وقد عالج المعمل منذ إنشائه نحو 40 طنًا من النفايات يوميًا.
وكذلك، أُنشئ معمل الشوف الأعلى عام 2015 أيضًا، واستقبل نفايات بلديات الاتحاد: الخريبة، المختارة، باتر، بطمة، بعذران، جباع، حارة جندل، عماطور، عين قني، مرستي، معاصر الشوف، ونيحا.
شكل إنشاء هذين المعملين بارقة أمل وخارطة طريق نحو حلّ مستدام لأزمة النفايات، إلى أن عصفت الأزمة الاقتصادية بالبلاد، فكانت العائق الأكبر أمام استمرارية التشغيل.
وبسبب الأعباء المالية الثقيلة على البلديات، أُقفل معمل الشوف السويجاني نهائيًا، فيما تقلّصت القدرة التشغيلية لمعمل الشوف الأعلى إلى أكثر من النصف. فما هو العائق الأساسي الذي حال دون استكمال العمل في المعملين؟
الكلفة التشغيلية وغياب القوانين الفاعلة والدعم المادي اللازم في ظل الأزمة الاقتصادية. فقد كانت تكلفة الفيول اللازمة لتشغيل المولدات مرتفعة جدًا، خصوصًا في ظل الانقطاع شبه الدائم لكهرباء لبنان، ما جعل استمرارية العمل شبه مستحيلة.
هنا برز دور وحدة البيئة والتنمية المستدامة التابعة لكلية الزراعة والعلوم الغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت، بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، حيث جرى قبول المشاريع المقدّمة من الاتحادين ضمن مسابقة المشاريع الخضراء الصغيرة المبتكرة.
وتمحورت المشاريع حول تركيب أنظمة طاقة متجددة في كلا المعملين بهدف تخفيف الكلفة التشغيلية. ففي الشوف السويجاني، يُجرى اليوم إعداد دراسة تقنية مفصلة للمعدات، والعمل مع متخصصين من وحدة البيئة والتنمية المستدامة لإعادة تشغيل المعمل بالتناسق مع نظام الطاقة المتجددة المنتظر تركيبه، ليعود إلى العمل بعد أكثر من خمس سنوات من التوقف.
أمّا في الشوف الأعلى، فيهدف تركيب النظام إلى تخفيف كلفة شراء الفيول، حيث يعمل المعمل كاملًا على المولدات بسبب الانقطاع الدائم للكهرباء. وسيوفّر النظام الجديد الطاقة النظيفة اللازمة، ما يسمح بزيادة أيام التشغيل الأسبوعية، ورفع عدد العاملين، وإعادة القدرة التشغيلية إلى ما كانت عليه سابقًا.
سيكون لهذه المعامل أثر إيجابي مباشر على البيئة والمجتمع على حدّ سواء، فمن المتوقع أن تنخفض نسبة المخاطر البيئية في المنطقة ، و تساهم في الحدّ من مستويات البطالة وتحسين الظروف المعيشية إذ أنها مصدر عمل ودخل لأبناء المنطقة. .
ستمكّن هذه المسابقة، بالإضافة إلى الدعم التقني المقدّم من وحدة البيئة والتنمية المستدامة ، خارطة الطريق نحو حلّ مستدام لأزمة النفايات . وستشكّل هذه الخطوة نقطة انطلاق لمسار طويل من العمل الجاد للوصول إلى حلّ نهائي ومستدام ونظيف يحمي لبنان من أزمات النفايات المتكررة.
جنى حمود